لم يخشى أحمد ابداً البكاء امامي.. رغم انه أمر مستهجن في مجتمعنا الشرقي .. الا اني وجدت في بكاءه رجوله .. أحب أحمد بكل مافيه .. من فرح، غضب، رضا ، او حتى سخط .. أحـبه بكل مافيه حرفياً و فعلياً..
بعد خروجنا من المقهى اصطحبني معه، لنمشط شوارع المدينة بأرجلنا الصغيرة .. نمشي معاً من دون هدف .. و من دون أن نعرف الى اين سنذهب .. كنا نتبادل اطراف الحديث و كأننا لم نرى بعضنا البعض منذ سنين طوال.. بالرغم من أن يومي لا يخلو من رؤيته مصادفة او من دون سماع صوته..و قبل ان نفترق .. أخرج احمد من معطفه قرص مدمج “CD”.. كتب عليه بقلم احمر عريض .. " لـ مالكة قلبي" و بجانبها رسم قلباً صغيراً .. اخذت القرص و وضعته في حقيبة يدي.. لم اهتم حقيقة كثيراً بالقرص.. اكتفيت فقط بالتحديق الى خط يد أحمد.. جميل خط أحمد و هو يكتب بالعربية.. فـ خط يده بالانجليزيه غير مفهوم و معقد.. أحبه بالعربية اكثر .. و بدأت بالضحك على طريقة تفكيري الطفولية .. لم استمع مطلقاً لمحتوى قرصنا المدمج .. لأني اكتفيت بما كتب عليه.. آآآه و باللون الأحمر .. كنت اتخيل مرات ان هذا القلب الصغير يخفق و يناديني بصوت احمد..
نمت في تلك الليلة بعد لقاءنا نوماً عميقاً.
صحوت باكراً لأتأمل منظر الشروق متوجاً بإبتسامة أحمد في سماء قلبي الداخلية .. بعدها هممت لإعداد كوب قهوتي الصباحية.. ارتشفت بضع رشفات .. و أخذت نفساَ عميقاَ.. و بعدها حملت هاتفي المحمول محاوله الاتصال به .. و لكنه لم يجب .. والغريب أنه لم يعاود الاتصال بي !! مر يومي كـ يوم غريب !! غريب علي لعدم وجود لمسات أحمد فيه !!كنت قلقة كثيراً كيف لـه بأن يسمح ليومنا بالعبور علينا دون ان تندمج نبرات اصواتنا بكلماتنا النقية..و هكذا مر اليوم و اليوم التالي .. و انتهت عطلتي الاسبوعية كاملة دون أن أعرف عنه شئ.. كانت مشاعر الغربة و الوحشة تملأ قلبي.. قلبي الذي كان يموت خوفاً و شوقاَ عليه .. لا أعلم كيف تذكرت ذلك القرص المدمج الذي اهداني اياه في لقاءنا الأخير.. أخرجته من حقيبتي برفق شديد.. و قربته من قلبي لإحتضنه لأن حمل بصمات أحمد.. ظللت اتأمل حروفه التي طبعها بروحه على القرص .. و بدون تردد قمت بتشغيله .. " بحبك انا كتير .. يا حبيبي بحبك .. " كانت هذه الاغنية الشيء الوحيد الموجود على القرص .. كانت أغنية وائل كفوري هذه اغنيتنا المفضلة .. يغنيها لي أحمد بإستمرار .. و أغنيها معه ، و له .. ُتحرك فيني هذه الاغنية كل مشاعر الحب التي احملها بين طيات صدري.. على أثير موسيقى الأغنية ، قمت بالرقص و التمايل بتغنج امام انعاكسات صورتي على المرآة ، و أنا اردد تلك الأبيات الغنائية و أستلذ بكلماتها متذكرة صوت أحمد الرنان و هو يهمس بها في أذني ..
هكذا كان صباحي الأثنيني، مظلم بغياب حبي و مشع بكل ما علق في ذهني له من ذكرى.. نظرت الى الساعة و تذكرت انه على الإسراع للحاق بمحاضرتي و لرؤيته في الحرم الجامعي.. خرجت مسرعة .. و في طريقي قابلت احد الاصدقاء .. ما أن صادفته حتى سألني هل تعرفين عن أحمد شيء؟ .. تعجبت من سؤاله!! و تظاهرت بأني لم أرى احمد لمدة .. و أجبت سؤاله بسؤال اخر .. لماذا لم تتصل به ؟ فجاوبني ببراءه و برود أحمد سافر !! و لم أسمع بقية ما قاله ..
تسمرت في مكاني لدقائق معدودة .. شعرت في داخلي بأنها قرون كاملة تمر امام عيني .. في خلال هذة الدقائق لمحت أطيافه .. سمعت همساته و ضحكاته.. شعرت بدفء عاطفته و كلماته .. و كأن شريط لذكرياتي معه يمر كاملاً امام عيني .. شعرت بسواد عجيب لدرجة اني لم أرى شيء حولي الا هذا الشريط الذي يفوح برائحة حبيبي أحمد.. شعرت بإعياء مفاجئ .. حملت نفسي مسرعة لمنزلي .. و ما أن وصلت حتى أغلقت الباب و ظللت خلفه مسندة بظهري بكل قوة عليه.. كنت اشعر بعطش شديد .. تحجرت دمعاتي في محجرها على أثره.. و اختنقت كل عبراتي الصارخة الباكية بفاجعة هروب احمد و خذلانه لي !
مر علي وقت لا أعلم كمه و لا كيفه وانا في مكاني مسندة كل جسمي على بابي الخشبي الذي شعرت به يحتضنني من شدة خوفه علي .. يـاااه!! هل اصبح هذا الباب الخشبي اقرب منك إلي ؟! دخلت لغرفة نومي و رميت بجسدي المثقل بصدماته العاطفية على سريري الحريري الناعم .. نمت يوماً كاملاً .. و عزفت عن الذهاب الى الجامعة لأيام لا أعرف عددها.. حبست نفسي في دوامة التفكير بما قد يكون السبب في هجر احمد لي بهذه الطريقة الجارحة .. تذكرت قبلته الاخيرة التي طبعها على كفي .. و جلست اتلمس مكان قبلته بحب متدفق .. و قربت كفي لفمي .. لأترك لشفتاي ان تعانق موضع قبلته العُذرية .. أخرجت نظارتي الشمسية و ارتديتها و كأني اشتم فيها رائحته الطيبة.. ظللت محدقه في خط يده الذي تفنن برسمه على ذلك القرص..كم جميل ذلك القلب الصغير الذي يخفق لي بشدة!.. كم رقيقة هي هذة الحروف التي دونها بتأنق! .. جلست اردد ماكتبه بقلمه الأحمر عليه : مالكة قلبي، مالكة قلبي، مالكة قلبي .. لم يملك قلبه احد سواي .. و لن يملك قلبي احد سواه .. أغمضت عيني في ذلك اليوم .. و نشوة الفرح بأني مالكة قلبه تعتليني ..
أصبحت في اليوم التالي .. و طاقة سحرية عجيبة تغمرني .. قمت من فراشي بنشاط و حيوية .. أخذت حمامي الصباحي المنعش .. و قمت بإختيار ملابسي بتذوق عالي .. مررت فرشاتي التجميلية العريضة على عظمتي وجهي البارزتين حتى اتسمتا بوردية مثالية ..وضعت قليلا من ملمع الشفاة الوردي .. فأضاء وجهي ببريق نضارة وجنتي و لمعة شفاهي .. خرجت من منزلي متوجه الى عُش ذكرياتي معه.. ذهبت هناك.. و كنت انا .. أنا و كوب قهوتي المفضلة منفردين.. نجلس سوية على طاولتنا المعتادة .. ارتشفها و ترتشفني لتنعش في داخلي قلب أحمد الذي ملكني إياه و رحل .. كنت أشعر بالسعادة و الرضا.. لمجرد التفكير بأني مالكة قلبه..! لأني على يقين بأنه سيعود ليسترد قلبه المعلق في جوف أحضاني الدافئة ..
اخر لقاء لنا ..
لم أعرف ابداً انه من الممكن ان يكون لنا لقاء أخير..








مع أنه من

said:

said:
said:

said:
said:


said:
said:


said:






من المملكة العربية السعودية